فخر الدين الرازي
108
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين
الفصل الخامس في الصبائية « 1 » قوم يقولون إن مدبر هذا العالم وخالقه هذه الكواكب السبعة والنجوم فهم عبدة الكواكب . ولما بعث الله إبراهيم عليه السلام كان الناس على دين الصبائية فاستدل إبراهيم عليه السلام عليهم في حدوث الكواكب ، كما حكى الله تعالى عنه في قوله : « لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » ، واعلم - أن عبادة الأصنام أحدث من هذا الدين لأنهم كانوا يعبدون النجوم عند ظهورها ولما أرادوا أن يعبدوها عند غروبها لم يكن لهم بد من أن يوروا الكواكب صورا ومثلا . فصنعوا أصناما واشتغلوا بعبادتها فظهر من هنا عبادة الأوثان « 2 » .
--> ( 1 ) ويقال لهم : الصبائية ، والصابئون . وكلها بمعنى واحد . والصابى هو التارك لدينه الّذي شرع له إلى دين غيره . والصائبون سموا بذلك لأنهم فارقوا دين الوحيد ، وعبدوا النجوم وعظموها . ولهم مذهب ينفردون به ، ويقرون بالصانع وبالمعاد ، وببعض الأنبياء . والحق أنه لا دين لهم ؛ لأنهم بين اليهود والمجوس . ويكادون يشبهون النصارى ، وقبلتهم نحو مهب الجنوب عند منتصف النهار . ( 2 ) والصائبون كانوا في مبدأ أمرهم يسجدون للكواكب ، لكن لما كانت الشمس قد تغيب أو تختفى وراء الغيوم ، لذلك اخترعوا صورا للكواكب ، وسموها بأسماء الكواكب . والأوثان المشهورة بين قدامهم هي : المشترى ، وزحل ، والمريخ ، وعطارد ، وأرطاميس ، ويونون ، والزهرة . ثم عادوا يزعمون بأن نفوس العظماء من الموتى هي واسطة بين الله وبين خلقه ، لذلك اتخذوا صورا لهؤلاء العظماء ، وسجدوا لها . ويروى أن أول من اتخذ صورا للعظماء ودعا للسجود لها